Free2blossom

Free to Dream..Free to Live..Free to Express..Free to Blossom

أطفالنا وبوابات المستقبل

“لازم تدرس باجتهاد وما ترفع راسك عن الكتاب حتى تصير مهندس أو دكتور وتبيض وشنا”.

عبارة مألوفة لدى كثير من الأطفال في أغلب البيوت. مشهد معتاد أن ينهر الآباء أطفالهم إن ضبطوهم وقد استبدلوا الآلة الحاسبة بريشة رسم -مثلاً- أو قضوا عطلتهم بممارسة هوايات فنية أو رياضية أو استكشافية بدلاً من تثبيت أعينهم على الكتاب تحضيراً لسنة دراسية قد تكون الفاصل في تحديد مستقبل لن يفتح لهم بواباته -برأيهم- بغير خوذة المهندس أو روب الطبيب.

لكن يبدو أن بوابات المستقبل ستغير أقفالها قريباً، كعادتها في مطلع كل عصر جديد. في إحدى العصور الخالية كان المحراث هو مفتاح بوابة المستقبل عندما كانت الزراعة هي المهنة الأهم. ومع الاكتشافات العلمية والتكنولوجية دخل العالم عصراً جديداً وأصبح العمل في المصانع الغاية الأهم لأصحاب الطبقة المتوسطة. ومع تقدم المعارف دخلنا عصر المعلومات والمعرفة. وأصبحت الصورة النمطية السائدة للشاب الذي ينجح بتأمين مستقبل جيد-بعد حصوله على الشهادة العلمية- متمثلة في ربطة عنق وحقيبة لابتوب وعقد عمل في شركة جيدة. وأصبح أسلوب المعيشة بأكمله متحوراً حول هذه الصورة النمطية، بدءاً بساعات العمل الطويلة خارج المنزل والمتبوعة بساعات الاسترخاء على “الكنبة”، مروراً بضغوطات العمل وانحسار اهتمامات ضرورية كالرياضة والقراءة، وانتشار ثقافة الاستهلاك وحسابات المنفعة المادية المقدمة على كل شيء، وانتهاء بتوريث هذه الصورة النمطية للأبناء من خلال 2015-08-02 12.44.44توجيههم لاتباع نفس الطريق، على الأقل كي يستطيعوا أن يضمنوا مكاناً لهم في هذا العالم شديد التنافسية.

وماذا بعد الاقتصاد القائم على الزراعة، ثم الصناعة، ثم المعرفة؟ ماذا بعد اقتصاد صاغ شخصية تهتم بالقوة الجسدية لإتمام مهام الزراعة، ثم تحولت في العصر الصناعي والمعرفي إلى شخصية تجيد عمليات التحليل وإدارة العمليات؟ أو بكلمات أخرى شخصية العقود الأخيرة هي شخصية برعت في استخدام الجانب الأيسر من الدماغ: تحليل المعلومات.

الواضح أننا نتقدم نحو عصر جديد قائم على اقتصاد الابتكار. هذا الاقتصاد سيبرز فيه نوع جديد من الشخصيات يتقن مهارات الجانب الأيمن من الدماغ: الجانب الذي يقدر الجماليات والإلهام والإبداع. هذه الشخصية المبدعة تختلف عن الشخصية التحليلية، فعوضاً عن البرود تجاه المجتمع الذي يسود عند الصورة النمطية للموظف صاحب الياقة البيضاء، واعتباره التفاعل مع أنشطته إضاعة للوقت الذي يمكن أن يستغل
بإتقان تشغيل آلة ما مثلاً، تتقن الشخصية المبدعة التفاعل مع المجتمع وتتأثر بمشاكله، وتتحرك مخيلتها في محاولة لإيجاد حلول تسهم في إسعاده وتلبية احتياجاته. هذه الشخصية هي شخصية تخلق معنى وتنتج أفكاراً تحولها لواقع أجمل -بدلاً من استهلاك الأفكار الجاهزة ومضع القيم المعلبة. تنجح في رؤية الصورة الأكبر. تجمع الأفكار المتناثرة بمنتج نهائي. ذات شخصية ناضجة متمكنة من أدواتها -خلق صورة بالكلمات، أو الألوان، أو الصور،أو الألحان، أو التكنولوجيا، وقادرة على الإقناع والتأثير المجتمعي. شخصية فاعلة منتجة في مقابل نموذج المستهلك المفعول به. قريبة من مشاكل الناس وهمومهم، تتأثر بقضاياهم وتؤثر فيها بحلول جديدة. قادرة على خلق فرص جديدة إن ضاقت عليها الفرص المتوفرة. وعوضاً عن اتباع الخيارات المبالغة في حسابات السلامة، قد تأخذ خيارات جديدة وشجاعة، محسوبة المخاطر -بقدر- لكنها تحتوي هامشاً للتجربة والاستكشاف.

لا تأتي هذه الشخصية معلبة ولا يتم تصنيعها من خلال المناهج الدراسية. ما تحتاجه لتنضج شخصية الصانع المبتكر المؤثر الريادي، هو مساحة أكبر للتفاعل مع دوائر تأثير تتشارك فيها بتطوير إبداعها بشكل جماعي وتطور ثقافة الابتكار والإنتاج: إنتاج الأفكار، إنتاج المعاني، وإنتاج التأثير. عصر الاقتصاد القائم على الابتكار والتأثير المجتمعي لن يهمش المنجزات المعرفية التي حققها الموظف والطبيب والمهندس، لكنه سيأخذها لآفاق جديدة ليضيف على المعرفة والمعلومات أبعاداً جمالية جديدة تلون بالأجمل علاقته بنفسه وبمجتمعه وبمحيطه. وبالتأكيد لن تصبح المهن الحالية أقل أهمية، إنما لن ينحصر ولوج أبواب المستقبل الباهر بهذه المهن فقط.ولن تنحصر هذه المهن نفسها بحدود العقل الحسابي الجامد، وإنما سيدخل الإبداعفي تفاصيل جديدة. وستضاف قيم التعاطف والإنسانية. وسيكون الإحساس بالجمال ووجود الدافع لخلقه هو المحفز الذي سيطغى على رتابة حياة المكاتب وجمود العلاقات. وستكون الرغبة بإحداث تحول إيجابي في المجتمع هي البذرة التي سيحرص المربون على غرسها بداخل الجيل الجديد باستخدام أدوات الإيجابية والتغيير البناء.

هذا المستقبل سيأتي وإن بدا بعيداً، مدفوعاً بتململ الناس من كل الضغوطات الحالية في العمل، والعلاقات الإنسانية، والرتابة، وفرص العمل، وغيرها. هكذا علمنا التاريخ وهذه سنته في توالي العصور، وكيف يولد كل عصر من رحم المعاناة في العصر الذي سبقه، وبأدوات جديدة تكون هي المفتاح الجديد لمستقبل أفضل.

 ملاحظة: نشر هذا المقال في مجلة الغربال على هذا الرابط. مع الشكر لفريق التحرير على التواصل والمتابعة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on August 30, 2015 by in Uncategorized.
%d bloggers like this: