Free2blossom

Free to Dream..Free to Live..Free to Express..Free to Blossom

مذكرات كائن ياسمائي

كانت البداية العجيبة عندما فاجأتني ياسمينة دارنا بقرارها المأساوي ذاك: “خلص أنا مهاجرة! سأوضب أوراقي وأمضي”. أخذتني الصدمة دقائق مرت لفرط ثقلها على روحي كأنها ساعات. استعرضت خلالها في ذهني عواقب هذا القرار المجحف:أين إذاً سأتكي مع فنجان قهوتي الصباحية حين أولف الراديو على صوت فيروز الذي يشكل مع عبقك وبُن الصباح وتثاؤب حارتنا ترياقاً يعيد لوجهي كل يوم نفس الملامح الذي شكلته قبل ثلاثين عام؟ وفي سقاية من ستقضي جدتي نصف وقتها الفضفاض قبل أن تشعل نصفه الآخر باستجلاب اللعنات على أولاد الحارة وأهاليهم الذين أخفقوا في تربيتهم؟ وكيف سأستطيع النظر ثانية في كل تلك الصور التي كنتِ خلفيتها -ومنها تلك الصورة التاريخية التي أُخذت على غفلة من الطفولة ودهاء من القدر الذي رتب موقعي فيها -من بين كل أولاد الحارة الذين اصطفوا أمام العدسة- بجانب من ستكون ملهمتي وحب الصبا؟ أما يكفي تلك الصورة نقصاً وتشوهاً اختفاء أسناننا الأمامية، والآن أنتِ؟! وتقررين الرحيل هكذا بكل بساطة؟! وإذ تدور بي كل تلك الأفكار وتثقل رأسي يتحول إحساسي المفجع بتهديد الفقد ورغبتي بالتوسل عند ساقيكِ لتعيدي التفكير، يتحول إلى شعور جارف بالحنق وأكاد للحظة أن أفقد أعصابي وأتهور فأطفئ سيجارتي -التي طالما كرهَتها حد التقيؤ- في أصابعك البيضاء ولتشتعلي أو فلتختنقي أو فلتستحيل كل أوراقك -التي طالما اغتررت بنضارتها وبياضها- إلى سواد، مثلما تنوين- بكل لامبالاة مستفزة- أن تفعلي بذكرياتي وأنت تعلمين علم اليقين كم أحتاج عبقك لاستجلاب خيالات الأيام الحلوة التي أتحصن بها كل يوم على مُر أيامي.

 

مسكت نفسي بصعوبة وقلت متظاهراً بالبرود: “ولماذا إن شاء الله؟” أخرجت من جيبها الأيمن موبايلها ذو الشاشة المتشعرة ومدته إلي قائلة “انظر بنفسك. والله شي بيجنن. شجرة جيراننا التي تصغرني بخمس سنين من شهرين بس سافرت وشوف وين صارت”، تأملت الصور مندهشاً لدقائق لم أتمالك نفسي بعدها أن صرخت: “أهذا ما تودين أن تكونيه؟! بعد هذا العمر؟هل جننتِ! تريدين أن تنزعي أوراقك وتركبي أوراقاً صناعية ملونة؟ ثم تعالي..قولي لي من أين ستجلبين عبقك في هذا الحال يا فهيمة”؟  ليأتي جوابها صاعقاً: “عادي! في تلك البلاد لا أحتاج عبقي الرخيص على أية حال. في آخر كل شهر سيسقونني بأفخر وأطيب العطور الفرنسية من راسي لأخمص جذوري”. صرخت: “وهل ثمة حاجة عندئذٍ لجذورك أيتها الحمقاء؟ غداً يخلعونها لك أو تخلعيها بإرادتك. وما عيشك بعد جذورك؟” سكتت برهة لتدير كلامي في رأسها، ثم قالت كأنها أقنعت نفسها بحل للمعضلة التي فاجأتها بها: “تلك البلاد لا تحتاج جذوراً على ما أعتقد. يمكنني أن أكبر بدونها. وبعدين هي تثقل حركتي منذ زمن. بدونها أخف وأريح”. لم أدرِ بعد هذا الجواب كيف سأقنعها إن كانت قد وصلت لتلك المرحلة في السذاجة. لم أستطع أن أجد ولا كلمة واحدة أقولها في هذا الموقف. لا ليست هذه ياسمينتي التي كانت رفيقة ليالي اسطوانات الطرب والموشحات الأندلسية، والصباحات الفيروزية، وذوبان الوجد في الأقمار الوردية. ليست هي.

لملمت أوراقها ولملمت حرقتي وخرجت. أردت أن أستعطفها في طلبٍ هو الأخير بحق العشرة أن تبقي لي ياسمينة واحدة لم تفتح بعد أنثر رحيقها على كل جروح الملح التي سيفتحها الرحيل.حلقي جف فجأة. لم تخرج مني الكلمات. أسرعت إلى جيبي، أخذت قصاصة ورق وقلماً وبخط مرتجف رديء كتبت جملة واحدة علها تعيد لها وعيها يوماً: “صديقتي العزيزة: إذا رمتك الدنيا يوماً على شطآن مدن الملح فاحذري ثقوبها السوداء التي تمتص عبق ذاكرة الأيام ولونها ورائحتها، ولا تبقي لك منها إلا شريطاً مكرراً مملاً متشابهاً لخيالات ذهبية الملامح لكنها كالسراب حين ستصلينها بعد ألف عام سترشف من آخر وريقاتك ما تبقى من ماء الشباب”.

—-

منال ريس

أيلول 2014

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on September 28, 2014 by in free2scribble and tagged , , .
%d bloggers like this: