Free2blossom

Free to Dream..Free to Live..Free to Express..Free to Blossom

بدنا نكمل باللي بقيوا…

في مشهد من أحد أكثر المشاهد تأثيراً، في واحدة من أكثر الروايات عمقاً على مدى التاريخ، يقوم الكاهن -في رواية البؤساء، رغم صغر مساحة دوره في الرواية، بلعب الدور المفصلي والذي يغير مسار اتجاه بطل الرواية جان فالجان كلياً، حين يكون رجل الدين هذا هو الوحيد الذي يرد على جرمٍ اقترفه جان بحقه ليس فقط بالمسامحة، وليس فقط بإنقاذه من قدرٍ كان سيكون مأساوياً فيما لو أثبت أمام عنصر الأمن جريمة سرقة جان للشمعدان الفضي من الكنيسة التي آوته من جوع وبرد، بل أيضاً -وفي موقف يقشعر لنبله الوجدان الإنساني، يحسن إليه بأن يمنحه ذاك الشمعدان الفضي الثمين ليبدأ حياة جديدة. يجد فالجان نفسه أمام إحسان يأتيه كنسمات عُلوية، يعصف بروحه ويهزها بشدة حتى تتساقط عنها قطرة قطرة كل الأحقاد التي تراكمت فيها على مدى عشرين سنة قاسى فيها ظلماً أرداه في ظلمات سجن عومل فيه معاملة العبيد. وحتى بعد أن خرج منه ببصيص أمل صعقته قسوة البشر الذين رفضوا أن يعطوه فرصة لكسب ما يقيته. وبعد موقف الكاهن معه ووصيته له أن يستخدم قيمة الشمعدان بأن يكون إنساناً نزيهاً، يقرر جان أن يكون يد الخير والأمل في الوجود وآن ينتشل الأرواح البائسة من يأسها كما انتشله الكاهن -بنية أنه صوت إرادة الخير والمحبة المطلقة في الوجود، وتكون هذه الحادثة المنطلق الذي على أساسه 10622889_712441268836922_7768250544546429640_nينقذ الطفلة كوزيت يتيمة الأبوين من قدرها الشقي ويكون الحارس الملاك الأمين لها طول حياته مغامراً بذلك بالمركزالنبيل الذي وصل إليه.

ومع تجسد فصول شبيهة إلا أنها حية وأكثر عمقاً من حياة مزيد من البؤساء كل يوم وكل لحظة تجرعوا من مختلف أشكال كؤوس العذاب والشقاء في واحدة من أشد المآسي البشرية التي تحصل اليوم على الأرض السورية، ومع تكالب كل الظروف وضدهم وانسداد كثير من الأفق وانهيار كثير من الآمال، وتنامي مشاعر السلبية ضد كل من خذلهم من أفراد وحكومات وهيئات، إلا أن الروح النبيلة  تعود لتتجسد في شخصيات ومبادرات توقد روح الأمل من جديد لتمسح وجع العذابات، وقد تقدر أن تغير بشكل جذري مساراً كان قد يتجه مدفوعاً بروح ناقمة على البشرية جمعاء، فتحوله بإحسانها لمسار المحبة والإيمان بالخير مجدداً.

 

ورغم قلة عدد مثل هذه المبادرات في وسط الظلام الذي بدأ ينتشر ويتمدد، إلا أن النور المنبثق عن مبادرة واحدة قادر أن يضيء مئات القلوب لأن زيت المحبة والإحسان معدي وقادر أن يتسرب من سراج لسراج بكل سلاسة.

ما زلنا نلمح وسط الدخان الأسود بالونات ملونة لإحياء “بسمة أمل” على وجوه الأطفال.، وما زلنا نشهد تجمعات ل”فك كربة الغربة”، وما زال هناك من يقيم مركزاً ثقافياً تتشابك فيه الأيادي والجهود “معاً” تحت القصف لتقرأ وتتثقف، و ما زال هناك من يطير “طيارات ورق” على أمل أن يلون بها سماء الأطفال التي أحالتها شرور الكبار سواداً مدقعاً، وما زال هناك من يتحمل المخاطر ليوصل علبة حليب “من أجل سوريا” وأطفال سوريا أو ليصور فيلماً يعرض فيه ما يجري عن العالم المُغيب. ما زال هناك من ينظم معارض الفنون والمسرحيات في مخيمات الأطفال ليخرجهم من قساوة واقعهم إلى عالم جميل ولو بالخيال عن طريق الفن. ما زال هناك من يدق على صدره إذا ما سمع بحاجة أخيه ويقول “دوبارتك عندي”، و”خسى الجوع”.

وما زلنا نسمع قصصاً مثل قصة الشاب الذي تحطم القارب الخشبي ،الذي كان يستقله ليصل لشواطئ أوروبا، تحطم في عرض البحر و وجد نفسه متمسكاً بخشبة من يقايا القارب وبجانبه طفلة عمرها سنة ونصف تكاد أن تغرق كما غرق أبواها فشدها لخشبته وظل حارساً لها ساعات طويلة يطفو قليلاً ويغوص قليلاً ليدع لها مساحة لنجو وتغفو، هكذا إلى أن وصلت المساعدة.  وفي مركز الهجرة قرر ألا يدع الطفلة لقدرٍ مجهول فادعى أنه والدها وضمها ومضى ليبدأ معها بداية حياة جديدة  يكون لها فيها الحارس المنقذ (قام بتسمية الطفلة “حياة”) .

 

وطالما أن هذه الأرض الطيبة ما زالت تنبت مثل هذه المعادن الأصيلة فالأمل باقٍ والخير لن يخبو، والنفوس عندما “ستلفحها ريح الشمس، سترجع الأيادي لتبني وتعمر، وسيمزق صوت العيد سماء كل من أراد أن يردنا إلى اليأس، وسيكمل من بقي منا رغم الطوفان الذي غمر بلادنا”، طالما أن هناك من “نذر يكون حبر رسالته وأمانته أن يكون قنديلاً للتعبانين”.

(ملاحظة:  اقتباس الفقرة الأخيرة من أغنية فيروز “ح نكمل باللي بقيوا”).

منال ريس

4/9/2014

نشر في جريدة سوريتنا -العدد ١٥٥

http://www.souriatnapress.net/?p=7694

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on September 7, 2014 by in free2dream, Syria.
%d bloggers like this: