Free2blossom

Free to Dream..Free to Live..Free to Express..Free to Blossom

التنوير: نحو الموجة الثانية من الربيع العربي

 مقال كتبته ونشرته في مجلة سوريتنا العدد ١٥١ بتاريخ ١٠ آب ٢٠١٤

قليلة هي الأصوات التي اختارت ألا تختبئ وراء إصبع هزيلة من نظرية المؤامرة الكونية على الإسلام، وأن الغرب مهموم بكيفية تشويه صورة ديننا خوفاً منه من أن يصحو المارد مجدداً ويسيطر على العالم بمجرد صحوته، وأن داعش مجرد صنيعة مخابراتية، وأنها خرجت بأفعالها عن صورة الإسلام المتوارثة. وقلة هي العقول التي واجهت الحقيقة: وهي أن تراثنا حقيقةً لا يخلو من تشوهات فكرية ورثناها من القرن الثاني للهجرة حين بدأت جهود المفسرين والمؤرخين وأخذناها نحن على أنها سرديات مقدسة وأن أصحابها أئمة معصومون. وعاشت هذه السرديات عائمة في وجدان يتناوب فيه الماضي مع الحاضر، وتتداخل فيه الأزمنة الثقافية، دونما فصل بين الخصوصيات الزمانية والمكانية. الحقيقة أن كثيراً مما تفعله داعش من أفعال تنفر منها الفطرة السليمة وتلفظها الطبائع المتمدنة أصوله موجودة في هذا التراث سواء بالتفاسير أو كتب الفقه أو الحديث أ السير أو تاريخ الخلافة الإسلامية. إباحة القتل موجودة عندما أخذوا ظاهر النص فيما سموه آية السيف (التي تدعو لمحاصرة المشركين وقتلهم أينما وجدوا) ثم جعلوها تنسخ كل ما عداها من الآيات التي تدعو للين والتعارف والتعايش. آية وشواهد الرجم موجودة. شواهد قطع الرؤوس وغيرها من الطرق البشعة للانتقام من الخصم موجودة. كل تلك الشواهد موجودة في كتب التراث، ولا يقتصر وجودها على كتب سير التاريخ الغابر، وإنما تتكرر في سيرة كل من قرأ الدين على أنه ذاك القالب الثابت الأبعاد، الناجز بنصوصه وشخوصه وظروفه، ثم خلص إلى أنه ما علينا إلا قولبة كل الشخوص والظروف في أي زمان ومكان بذات القالب بغرض إعادة إنتاج نفس الشخوص والظروف والمجتمع تماماً كشخوص وظروف المجتمع الأولي باعتباره المجتمع المثالي.

ورغم أن تعدد مناهج قراءة النصوص وتطبيقها على المسائل المستجدة في الواقع بتعدد مذاهب الأئمة إلا أن هذه المناهج تدرجت من حيث جمود وتصلب القراءة من حصر فهم الكتاب والسنة على فهم السلف وتطبيقهم دون إعمال العقل بمتغيرات الأزمنة وظروف المجتمعات (مثل مذهب ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وعامة السلفيين)، إلى حد دور العقل بالبحث لكل فرع عن أصل (مثل القياس عند الشافعي)، إلى استقراء النصوص الكلية بغرض استلهام روح التشريع ومقصده من حيث اعتبار مصالح الناس (مثل الشاطبي الذي سار على نهج المالكية في الأخذ بالمصالح)، إلى إطلاق الاجتهاد العقلي بعد استنفاد البحث في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة (كما عند أبي حنيفة “فأجتهد كما اجتهدوا”)، إلى تقييد العقل بالنقل وشرح النقل بالعقل باستخدمات مقدمات المنطق (مثل أبو الحسن الأشعري والغزالي). ورغم اختلاف ترتيب مصادر التشريع عند هذه المناهج فإنها تشترك جميعاً بكون النقل متقدماً فيها على العقل وكون أوسع إطار محدد لعمل العقل هو مقاصد التشريع الخمسة. ولا يقتصر الإشكال الواقعي فقط على جمود المناهج التي حصرت فهم النصوص على فهم الأولين دون إتاحة مساحة للاجتهاد العقلي،بل إنه حتى تلك المناهج المرنة نسبياً باستقرائها النصوص حسب المقاصد قد تشكل تحدياً واقعياً عند محاولة تطبيق المقصد الأول وهو “حفظ الدين”، وهنا قد تقع التجاوزات التي قد تبلغ حد التطرف الكارثي تحت غاية حفظ الدين إذا ما نصب بعض البشر أنفسهم قيمين على الدين وتسلطوا على غيرهم لتقويم علاقة الناس بربهم.

وربما كانت أقوى محاولة للخروج من هذا القالب في النهج الذي تبناه المأمون بتقديم العقل وسمي أتباعه بالمعتزلة نسبة -في إحدى الروايات- إلى الحادثة التي جرت بين واصل بن عطاء والحسن البصري، عندما اعترض الأول على رأي البصري القائل بأن مرتكب الكبيرة كافر، وارتأى ابن عطاء -ربما مدفوعاً بفطرة الظن بأن رحمة الخالق أوسع من هكذا حكم متشدد- أن مرتكب الكبيرة منزلته بين المنزلتين -أي لا مؤمن ولا كافر، فأمره البصري “باعتزال” مجلسه. وقد أسست هذه النظرة لمنهج يعتمد على العقل والفطرة السليمة بقياس الأحكام الشرعية على ما يقتضيه العقل والحكمة في إثبات عدل الله، حيث يرى منتهجو هذا النهج أن “الله لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد” بما هو ألطف وأصلح حسب ما يقتضيه العدل.

وبين عصر المأمون وعصرنا هذا تتشابه الظروف السياسية من حيث التوسع الحضاري واندماج المسلمين في مجتمعات تشهد اندماج لثقافات متنوعة ومتغايرة، يشكل معه النهج النصي التقليدي النقلي بجموده عائقاً للحاجات العقلية بحيث أصبح العقل المسلم اليوم تعيش فيه منظومات معرفية متناقضة و “يجد نفسه مضطراً إلى استبطان الفكر التراثي لتأكيد هويته، والفكر الغربي لتحقيق فاعليته” على حد تعبير لؤي صافي في كتابه (إعمال العقل). وكما ظهر في عصر المأمون المنهج الذي يقدم العقل ويستقرئ النصوص حسب ما تقتضيه الحكمة والعدل، فإنه يمكن رصد إحدى المحاولات الشبيهة لقراءة متجددة للنصوص في عصرنا الحالي-ولمواجهة تحديات القراءة المتطرفة ونتاجاتها الكارثية كما تطبقها فرق مثل داعش- في تيار التنوير الإسلامي الذي نشر مذكرة رسالة التجديد فيه الدكتور محمد حبش. وجاء فيها حول تجديد أصول الاعتقاد والفقه أن  “الثابت الأول في مسائل الاعتقاد هو أن لله سبحانه صفات الكمال من العدل والإحسان والرحمة، وكل نص يوهم الظلم أو الانتقام أو الاستهزاء أو المكر يجب تأويله مهما كان هذا التأويل متعسفاً، فحقيقة عدل الله أكبر وأولى من مراعاة ظاهر التنـزيل”. وكمثال على تأويل النصوص عند تطبيق ثابت كمال عدل الله أوردت الرسالة أن “الخلود في النار المذكور في القرآن للإشارة إلى طول العذاب، أما القول بالخلود المطلق فهو يتناقض مع الحكمة في الخلق والرحمة في الخالق ولا يمكن عقلاً ولا ذوقاً قبول الخلود في العذاب مقابل بعض التفريط في الدنيا، مهما كان هذا التفريط، والخلود في العذاب يتناقض تماماً مع رحمة الله وإحسانه وعفوه”.

وفي بوستات متلاحقة على صفحته على الفيسبوك أورد د. حبش بعض المسلمات كأمثلة تدرس لطلاب الفقه و”عجب لمن يدرس هذه المعارف كيف لا يصير داعشياً”. من هذه المسلمات  حديث: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله……….”، وعلق عليه قائلاً “أشهر الأحاديث التي نعلمها لأبنائنا – الرابع في الاربعين النووية. روايته كنص مطلق في الزمان والمكان= داعش والقاعدة وطالبان”. وحديث “قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”، وعلق عليه “وهو يوجب هدم المساجد التي بنيت فيها القبورـ ويكفي لنشر أجيال من الكراهية”.

والمراقب لمتغيرات واقعنا سيرى أننا عوامل مثل ثورات الربيع العربي والتواصل الاجتماعي المكثف عبر تكنولوجيا الاتصال الإنترنت وتنامي ردات الفعل الكارهة للممارسات الداعشية الشاذة، وغيرها من العوامل الحضارية التي ستدفعنا أكثرنحو قراءة النصوص قراءة مختلفة متجددة متسقة مع نزوعنا الفطري ليس فقط لما هو أكثرعقلانية بل أيضاً لما هو أكثر إنسانية  وأكثر تمدنا”. هذه المبادئ: العقلانية -كعلاقة ناظمة للإنسن بالوجود-، والإنسانية -كناظم لعلاقة الإنسان بالإنسان وبالكائنات-، والمدنية -كعلاقة ناظمة للإنسان بالمجتمع-، والفردانية -كعلاقة ناظمة للإنسان بنفسه- (وكلها علاقات أرضية-أرضية) إذا نظمت ضمن منظومة منهجية لاستقراء النصوص بحيث تـؤخذ كمسلمات بديهية تتقدم على باقي المقاصد والمصادر،فإن هذه القراءة ستخلصنا في آن واحد من: القراءة الأصولية التي تنتج اعتقادات شاذة وممارسات همجية كالتي تمارسها داعش، ومن ردة الفعل العنيفة المقابلة والتي ترى أن الحل باجتثاث الدين-كونه مفرخة الإرهاب- من المجتمع، ومن التشتت والاضطراب المتولد عند العامة الواقعة بين طرفي هذين الطيفين، وقد تمهد لمرحلة من الفاعلية المجتمعية والحضارية قد تعرف لاحقاً بعصر “التنوير العربي” الذي قد يكون المرحلة الثانية من موجات الربيع العربي.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Information

This entry was posted on August 10, 2014 by in free2scribble and tagged , , , .
%d bloggers like this: